ابن أبي الحديد

17

شرح نهج البلاغة

كما تزعمون ، لم يقتلوا بأيديهم ، وإنما أغروا به ، وحصروه وأجلبوا عليه ، وهجموا على داره ، كمحمد بن أبي بكر والأشتر وعمرو بن الحمق وغيرهم ، وليس على مثل هؤلاء قود - قال نصر : فقال لهم معاوية : إن كان الامر كما تزعمون ، فلم ابتز الامر ( 1 ) دوننا على غير مشورة منا ولا ممن هاهنا معنا ؟ فقال علي عليه السلام : إن الناس تبع المهاجرين والأنصار ، وهم شهود للمسلمين في البلاد على ولاتهم وأمراء دينهم ، فرضوا بي وبايعوني ، ولست أستحل أن أدع ضرب ( 2 ) معاوية يحكم بيده على الأمة ويركبهم ويشق عصاهم . فرجعوا إلى معاوية فأخبروه بذلك ، فقال : ليس كما يقول ، فما بال من هاهنا من المهاجرين والأنصار لم يدخلوا في هذا الامر ويؤامروا فيه ( 3 ) ! فانصرفوا إلى علي عليه السلام ، فأخبروه بقوله ، فقال : ويحكم ! هذا للبدريين دون الصحابة ، ليس في الأرض بدري إلا وقد بايعني وهو معي ، أو قد قام ورضى ، فلا يغرنكم معاوية من أنفسكم ودينكم . قال نصر : فتراسلوا بذلك ثلاثة أشهر : ربيع الاخر ، وجماديين ، وهم مع ذلك يفزعون الفزعة فيما بينهما ، فيزحف بعضهم إلى بعض ، وتحجز القراء بينهم . قال : فزعوا في ثلاثة أشهر خمسا وثمانين فزعة ، كل فزعة يزحف بعضهم إلى بعض ، وتحجز القراء بينهم لا يكون بينهم قتال . قال نصر : وخرج أبو أمامة الباهلي وأبو الدرداء ، فدخلا على معاوية - وكانا معه - فقالا : يا معاوية ، علام تقاتل هذا الرجل ؟ فوالله لهو أقدم منك إسلاما ( 4 ) ، وأحق بهذا

--> ( 1 ) صفين : ( فماله ابتز الامر دوننا ) ؟ ( 2 ) ضرب معاوية : شبيهه . ( 3 ) المؤامرة : المشاورة ، وفي صفين : ( فيؤامروه ) . ( 4 ) صفين : ( سلما ) ، وهما بمعنى .